الحلبي

227

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فقد جاء مرفوعا « آجال البهائم كلها وخشاش الأرض في التسبيح ، فإذا انقضى تسبيحها ، قبض اللّه أرواحها » ويروى « ما من صيد يصاد ولا شجرة تقطع إلا بغفلتها عن ذكر اللّه تعالى » وفي الحديث « الثوب يسبح ، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه » وفي رواية « إن النملة قالت له إنما خشيت أن تنظر إلى ما أنعم اللّه به عليك فتكفر نعم اللّه عليها ، فقال لها : عظيني ، قالت : هل تدري لم جعل ملكك في فص خاتمك ؟ قال لا ، قالت : أعلمك أن الدنيا لا تساوي قطعة من حجر » . ومن عجيب صنع اللّه تعالى أن النملة تغتذي بشم الطعام ، لأنها لا جوف لها يكون به الطعام . ويذكر أن هذه النملة التي خاطبت سيدنا سليمان أهدت له نبقة فوضعتها في كفه . ويحكى عنها لطيفة لا نطيل بذكرها . وفي فتاوى الجلال السيوطي . قال الثعالبي في زهرة الرياض : لما تولى سليمان عليه الصلاة والسلام الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه إلا نملة واحدة فجاءت تعزيه ، فعاتبها النمل في ذلك ، فقالت : كيف أهنّئه وقد علمت أن اللّه تعالى إذا أحب عبدا زوى عنه الدنيا وحبب إليه الآخرة . وقد شغل سليمان بأمر لا يدرى ما عاقبته ، فهو بالتعزية أولى من التهنئة . وجاء في بعض الأيام شراب من الجنة ، فقيل له : إن شربته لم تمت ، فشاور جنده ، فكل أشار بشربه إلا القنفذ فإنه قال له : لا تشربه ، فإن الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا ، قال صدقت ، فأراق الشراب في البحر . قال : وصار إبراهيم وإسماعيل صلوات اللّه وسلامه عليهما يتبعان الصرد حتى وصلا إلى محل البيت صارت السكينة سحابة ، وقالت : يا إبراهيم خذ قدر ظلي فابن عليه : أي وفي لفظ « لما أمر إبراهيم ببناء البيت ضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج ملتوية في هبوبها لها رأس » الحديث فحفر إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فأبرزا أي الحفر عن أس ثابت في الأرض . فبنى إبراهيم وإسماعيل يناول الحجارة : أي التي تأتي بها الملائكة ، كما سيأتي حتى ارتفع البناء ا ه . أقول : يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لما أوحى اللّه إليه بذلك كان في مكة عند إسماعيل وإنهما كانا بمحل بعيد عن محل البيت . ويحتمل أنهما كانا بغيرها ثم جاءا . وقد قيل في قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ النّحل : الآية 120 ] الآية : أي قائما مقام الأمة لانفراده بعبادة اللّه تعالى في أرضه ، لأنه لم يكن على وجه الأرض من يعبد اللّه سواه ، واللّه أعلم . قال : ثم لما ارتفع البناء جاء بالمقام أي وهو الحجر المعروف ، فقام عليه وهو